الشيخ محمد رشيد رضا

231

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اليهود وتميم الداري من علماء النصارى وغيرهم من الذين أسلموا في عصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلّم ورضي عنهم ، والروايات في هذه كثيرة ، ومن أعجبها قصة سلمان الفارسي ( رض ) وأما الذين أبوا واستكبروا فكانوا يكتمون البشارات به في كتبهم ويؤلون ما بقي منها لمن اطلع عليه ويكتمونه عمن لم يطلع عليه ، وقد أربى المتأخرون ولا سيما الإفرنج منهم على المتقدمين في المكابرة والتأويل والتضليل لذلك وضح العلامة المحقق الشيخ رحمة اللّه الهندي هذه المسألة في كتابه ( اظهار الحق ) بأمور جعلها مقدمات لبشارات تلك الكتب به ( ص ) فرأينا ان نقتبسها بنصها ، قال رحمه اللّه تعالى في سياق مسالك الاستدلال على نبوته « ص » ما نصه : ( المسلك السادس ) أخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته عليه السّلام ، ولما كان القسيسون يغلطون العوام في هذا الباب تغليطا عظيما استحسنت أن أقدم على نقل تلك الأخبار أمورا ثمانية تفيد الناظر بصيرة ( الأمر الأول ) إن الأنبياء الإسرائيلية مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وعيسى عليهم السّلام أخبروا عن الحوادث الآتية ، كحادثة بخت نصر ، وقورش والإسكندر وخلفائه ، وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل ، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول ، ثم صار شجرة عظيمة تتأوى طيور السماء في أغصانها ، فكسر الجبابرة والأكاسرة ، وبلغ دينه شرقا وغربا وغلب الأديان ، وامتد دهرا بحيث مضى على ظهوره مدة الف ومائتين وثمانين إلى هذا الحين ، ويمتد إن شاء اللّه إلى آخر بقاء الدنيا . وظهر في أمته ألوف ألوف من العلماء الربانيين ، والحكماء المتقنين ، والأولياء ذوي الكرامات والمجاهدات ، والسلاطين العظام . وهذه الحادثة كانت أعظم الحوادث ، وما كانت أقل من حادثة أرض أدوم ونينوى وغيرهما ، فكيف يجوز العقل السليم انهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الاخبار عن هذه الحادثة العظيمة